حيدر حب الله
55
مسألة المنهج في الفكر الديني
و . . هي الأسباب الوحيدة في نشوء الخلاف بين المسلمين ، ولسنا نبرّء التاريخ من ظواهر من هذا النوع ، بل نؤكّد - فقط - على أنّ هذه الأسباب ليست هي الأسباب الوحيدة لظهور الخلاف بين المسلمين ، بل بين البشر جميعاً ، ذلك أنّ طبيعة البحث العلمي ، وما يتوافر للعقل من معطيات من حيث الكم والكيف ، وطبيعة الظروف التاريخية المكوّنة لمنهج الدرس العلمي ، وطبيعة نصيّة المصادر الدينية من الكتاب والسنّة ، والنص بطبيعته حمّال وجوه لو تراكمت عليه أنظار العقول ، وضياع الكثير من القرائن والشواهد التاريخية بفعل عشرات العوامل المختلفة . . ذلك كلّه وغيره من شأنه أن يحدث الخلاف الكلامي والفقهيّ بين المسلمين ، وإذا ما كنّا نتصوّر أن بالإمكان أن تجتمع عقول الملايين على تفسير نصّ من النصوص وتخرج بنتيجة اجتهادية موحّدة فنحن - بالتأكيد - مثاليون واهمون ، لا نعرف عن اللغة ولا عن العقل الكثير . إنّ تنوّع أسباب الاختلاف ، يمكنه أن يحلّ بعض مشكلاتنا ، ويفسح في المجال لحسن الظنّ بالآخر ، ذلك أنّ خلافه معي ليس من الضروري أن يكون نتيج حقد أو عصبيةٍ أو شحناء أو . . ، ومن ثم فاحتمال أن تكون مبرّراته مقبولة من زاوية الحكم الأخلاقي والعقل العملي يبقى احتمالًا مفتوحاً على مصراعيه ، رغم قناعتي بخطأ رأيه من الناحية العلمية والعقل النظري ، والخلط بين هذين البُعدين أدّى ويؤدي إلى الكثير من المشاكل بين المسلمين ، وقراءتهم بعضهم بعضاً قراءات ظالمة ومجحفة . من الضروري السعي لأن تكون وسائل قراءتنا للآخر مصفّاة من قناعاتنا المسبقة وأحكامنا السالفة ، وهو ما لا يتسنّى فقط عبر تحييدها مؤقتاً فحسب ، بل لابدّ أن يكون هدف قراءة الآخر التعرّف عليه جدّاً ، أو التعاون مع أفكاره للبلوغ بالأطراف كافّة سبيل الحقيقة ، وهو ما لا يكون إلّا بوجود قناعة راسخة بالاعتراف به مسبقاً حتّى يتسنّى تصوّر إمكانية التعاون لبلوغ الحقيقة ، فإذا بقينا لا نعترف ببعضنا بعضاً من الزاوية المعرفية فلن يكون ثمة سبيل لتكوين حوار منطقي تتمايز فيه ذات الآخر عن أحكامنا المسقطة سلفاً عليه .